السيد علي الموسوي القزويني
416
ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام
الثانية : أن تكون الشبهة محصورة بين محلّ ابتلاء هذا المكلّف وبين غيره ممّا لا يبتلى به أصلًا ، كأن يكون المغصوب المعلوم وجوده في أموال الظالم المجيز مردّداً بين الجائزة وبين الجارية المعدودة من خواصّ نساء الظالم مثلًا . ففي هاتين الصورتين يجوز أخذ الجائزة والتصرّف فيها مطلقاً ، للأصل ، وإطلاق معقد الإجماع ، والنصوص المتقدّمة ، مضافاً إلى الإجماع على عدم وجوب الاجتناب عن الشبهة الغير المحصورة . ولا يقدح في الثانية كون الشبهة محصورة ، لأنّ من شرط وجوب الاجتناب من الشبهة المحصورة تنجّز التكليف بوجوب الاجتناب عن الحرام الواقعي المشتبه ليجب الاجتناب عن جميع أطراف الشبهة مقدّمة ، ومن شرط وجوب الاجتناب عن الحرام الواقعي كونه مردّداً بين أمرين كلّ منهما محلّ ابتلاء للمكلّف ، إذ بدونه يحتمل كون المحرّم الواقعي غير محلّ الابتلاء فلا يكون هذا المكلّف مخاطباً بالاجتناب عنه ، حتّى أنّه لو كان معلوماً بالتفصيل لم يكن مخاطباً بالاجتناب فكيف به إذا كان مشتبهاً ؟ ! . نعم ذكر جماعة « 1 » أنّ الأفضل في الصورتين التورّع عنها ومعناه كراهة أخذها ، وفي الرياض « 2 » بلا خلاف ، لشبهة الحرمة المقتضية لحسن الاحتياط عقلًا ، مضافاً إلى عمومات الاحتياط كقوله عليه السلام : « أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت » « 3 » وقوله : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » « 4 » وقولهم عليهم السلام : « من ترك الشبهات نجى من المحرّمات » « 5 » مضافاً إلى أنّ أخذ المال منهم يوجب محبّتهم فإنّ القلوب مجبولة على حبّ من أحسن إليها ، ويترتّب عليه من المفاسد ما لا يخفى ، وفي الصحيح « أنّ أحدكم لا يصيب من دنياهم شيئاً إلّا أصابوا من دينه مثله » هذا مع إمكان اندراجه في عموم قوله تعالى : « وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا » « 6 » .
--> ( 1 ) كما في النهاية : 367 ، والمنتهى 2 : 1026 والحدائق 18 : 268 . ( 2 ) الرياض 8 : 206 . ( 3 ) الوسائل 27 : 167 / 46 ، ب 12 أبواب صفات القاضي ، أمالي الطوسي 1 : 109 . ( 4 ) الوسائل 27 : 170 / 54 ، ب 12 أبواب صفات القاضي ، كنز الفوائد : 164 . ( 5 ) الوسائل 27 : 157 / 9 ، ب 12 أبواب صفات القاضي ، التهذيب 6 : 301 / 845 . ( 6 ) هود : 113 .